الفتنة تضرب طرابلس: الاحتقان المذهبي ينفجر رصاصاً
كتبهابلال عبد الهادي ، في 11 شباط 2012 الساعة: 07:04 ص

في الطريق الى الانفجار
من جديد، يدفع فقراء طرابلس ضريبة الاحتقان المذهبي الذي تعيشه البلاد على خلفيات شتى. والخلفية هذه المرة في سوريا، وفي حمص تحديداً، لكنّ ليل أمس حمل خوفاً من أن يخرج الاشتباك «التقليدي» عن السيطرة، ما دفع معظم أصحاب الرؤوس الحامية إلى الهدوء
كان كل شيء في طرابلس يوحي أن يوم أمس لن يمر بسلام، وأن تفجيراً للوضع الأمني يُرتقب وقوعه بين لحظة وأخرى، بعد تصاعد الاحتقان المذهبي والسياسي في الشارع، على خلفية تطورات الأحداث في سوريا. وبالفعل، انفجر التوتر في عاصمة الشمال التي لم يهدأ أزيز الرصاص فيها حتى ساعات الفجر الأولى، وأدّت الاشتباكات إلى سقوط أربعة جرحى، وسط موجة من الشائعات التي فاقمت من التوتير. وتزامناً مع الاشتباكات العنيفة، وقع انفجار غامض في منطقة أبي سمرا، أدى إلى إصابة شخصين بجروح، أحدهما سوري الجنسية من حمص. وترددت معلومات أمنية عن كون الانفجار وقع في مخزن لأسلحة اشتُريت تمهيداً لنقلها إلى سوريا.
توتر طرابلس أمس مرتبط بأحداث مدينة حمص السورية، التي انعكست ارتفاعاً في منسوب الخطاب المذهبي في الشارع الشمالي، وحصول اكثر من محاولة استفزاز كان يجري تطويقها قبل انفلاتها، لكن مؤشرات التصعيد كانت تتراكم تدريجياً في المناطق الساخنة في عاصمة الشمال، وأبرزها في شارع سوريا، الفاصل بين خط التماس التقليدي بين التبانة وجبل محسن.
أول من أمس، سجّل هذا المحور خطوة في هذا الاتجاه، هي الأولى من نوعها منذ اندلاع الأحداث في سوريا، بعدما رفع مواطنون صورة مسيئة إلى الرئيس السوري بشار الأسد في باب التبانة تحمل تحتها عبارة «السفّاح».
رفع صورة كهذه في شارع سوريا كان كافياً لاستثارة العصبيات على كلا الجانبين، وكاد الأمر يتطور على نحو خطير لولا تدخل الجيش اللبناني المتمركز هناك، ونزعه الصورة، وبالتالي نزع فتيل الانفجار مؤقتاً.
وفي إجراء احترازي لاحتواء النار التي تجمعت تحت الرماد، وسع الجيش اللبناني مساء أول من أمس رقعة انتشاره، وشدد إجراءاته بين المنطقتين وداخلهما، وعلى مداخلهما الرئيسية والفرعية. وترافق ذلك مع عدم قطع التيار الكهربائي عن المنطقتين معاً، ما ساعد الجيش على مراقبة الأمور على نحو أفضل، مستعيناً بشبكة الإنارة العامة التي وضعتها بلدية طرابلس بالتصرف في شارع سوريا، لهذه الغاية تحديداً، منذ أشهر قليلة.
وسط هذه الأجواء من الاحتقان، عاشت طرابلس ساعات طويلة من القلق قبل ظهر أمس، فتراجعت حركة السير على نحو غير مسبوق في شوارع المدينة، وبدأ كثير من المواطنين يتلقون اتصالات هاتفية من أقاربهم في المناطق المجاورة، تدعوهم إلى ضرورة إنجازهم أشغالهم بسرعة ومغادرة طرابلس قبل الظهر.
في موازاة ذلك، كانت شائعات تنتشر على نحو لافت للانتباه عن أن المدينة ستشهد بعد صلاة الجمعة والتظاهرات المناهضة للنظام السوري، توتراً أمنياً، بالتزامن مع أحاديث لم تعد تجري في الخفاء، عن أن الاستعدادات للمعركة المقبلة من خلال التزوّد بالسلاح، جارية على قدم وساق.
أضيفت إلى كل ما سبق تظاهرتان شهدتهما طرابلس أمس. الأولى خرجت على نحو معتاد منذ اندلاع الأحداث في سوريا من مسجد حمزة في القبة، بإشراف الشيخ زكريا المصري، ذي التوجه السلفي، والثانية خرجت من المسجد المنصوري الكبير وسط المدينة القديمة، بدعوة من حزب التحرير.
بعد أقل من ساعة على انتهاء التظاهرتين (تظاهرة «التحرير» كانت حاشدة)، وعلى نحو بدا مجهزاً مسبقاً، ألقيت 3 قنابل «إنيرغا» على محور باب التبانة وجبل محسن، ترافقت مع إطلاق نار كثيف استدعى تدخل الجيش على عجل.
لكن هذا التدخل لم يحل دون توسّع رقعة إطلاق الرصاص إلى مناطق القبة والحارة البرانية، ما أدى إلى موجة نزوح كثيفة للسكان من أماكن الاشتباكات، واختناق مداخل طرابلس كافة بالسيارات التي كانت في طريقها نحو المناطق المجاورة.
الروايات بشأن أسباب تدهور الأمور على هذا النحو تضاربت كالعادة. في باب التبانة يروي بعض الكوادر أن «استفزازات كان يقوم بها أشخاص من الطرف الآخر على خلفية أحداث حمص، ما جعل بعض الشباب عندنا غير قادرين على ضبط أنفسهم، برغم أننا نبّهنا مسبقاً من مغبة هذه الاستفزازات، وأن على الطرف الآخر مراعاة مشاعرنا».
في جبل محسن الرواية مختلفة، إذ يرد مسؤولون فيه الأسباب إلى أن «البعض يريد تفجير الوضع في طرابلس بعدما اقتربت معركة حمص من نهايتها، مستغلين التوتر المذهبي لتحقيق أهدافهم، لكننا لن نردّ عليهم بالمثل، تاركين للجيش اللبناني اتخاذ الإجراءات اللازمة».
المناوشات بالأسلحة الرشاشة الخفيفة وقذائف «الإنيرغا» و «الآر. بي. جي» والقنابل اليدوية استمرت ساعات عدة على نحو متقطع حتى ساعات الغروب، التي كشفت لاحقاً سقوط جريحين من الجيش اللبناني، و3 جرحى في باب التبانة والحارة البرانية. ومع ساعات الليل الأولى، ارتفعت حدة الاشتباكات، وسط مساع كثيفة تبذل لتطويق التوتر الذي طاول منطقة الزاهرية.
وعُقد في منزل النائب محمد كبارة اجتماع ضم نواب طرابلس ووزراءها أو ممثلين عن الموجودين خارج البلاد منهم (بينهم ممثل عن الوزير محمد الصفدي، والنائب أحمد كرامي المنتمي إلى كتلة الرئيس نجيب ميقاتي) ونائبي عكار معين المرعبي وخضر حبيب، وممثلاً عن الجماعة الإسلامية. وصدر عن المجتمعين بيان يدعو إلى التهدئة، ويؤكد أن أهالي التبانة وجبل محسن «هم أبناء نسيج واحد وتجمعهم قيم واحدة تحترم التعددية وحق الاختلاف في الرأي والمعتقد، ويرون في الاحتكام الى السلاح بين أبناء الوطن الواحد تنكّراً لتاريخ المدينة ولنضال أبنائها». وتوجه المجتمعون إلى «كافة المسؤولين الحكوميين، وفي مقدمتهم فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس مجلس الوزراء والى القيادات الأمنية»، مطالبين بـ«استعمال الحزم المطلوب لإحلال الأمن، والحؤول دون الانفلات الأمني، وذلك عن طريق نشر الجيش وتفعيل الأمن الوقائي، مؤكدين جميعاً تضامنهم في رفع الغطاء السياسي عن أي مخل بالأمن».
بدوره، أكد مسؤول العلاقات السياسية في الحزب العربي الديموقراطي رفعت عيد لـ «الأخبار» أن فريقه السياسي يولي كل الثقة والاحترام للجيش اللبناني وقيادته، «ونحن على تنسيق مع مديرية استخبارات الجيش». وأكد عيد أن حزبه أصدر أوامر لجميع محازبيه بضرورة التزام الهدوء، وعدم الرد على مطلقي النار، «لأن الجيش وحده من يحمينا».
من جهته، أبدى الوزير فيصل كرامي في اتصال مع «الأخبار» عتبه على بعض الأجهزة الأمنية التي لم تتدارك الأمر، وخاصة «أننا منذ عشرة أيام شايفينها وين رايحة، بعدما بدأ مسلسل الإنيرغا». ولفت كرامي إلى مسؤولية الحكومة الكبير لوقف ما يجري في عاصمة الشمال، لافتاً إلى أن «ما يغفر عثرات هذه الحكومة هو الاستقرار، ويجب العودة إلى عقد جلسات لمجلس الوزراء سريعاً، لأن الوضع ينذر بالانزلاق نحو اشتباك خطير، وخاصة بعد الإمعان في استهداف المؤسسة العسكرية من قبل البعض». واكد كرامي تأييد كل من يسعى لوقف إطلاق النار، لأن «كل المصابين هم أهلنا».
رسمياً، دعا رئيس الجمهورية ميشال سليمان القوى العسكرية والأمنية الموجودة على الأرض في طرابلس، إلى «الحزم في قمع المخلين بالأمن والسلم الأهلي، وخصوصاً في الشمال، وتحديداً بين جبل محسن وباب التبانة»، مشدداً في الوقت نفسه على «ضرورة أن يمتثل الأهالي هناك لتعليمات الجيش والقوى الأمنية، بما يؤمن سلامة الجميع ويحفظ الأمن والاستقرار والوحدة الوطنية».
من جهته، طلب رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، الموجود في فرنسا، من قائد الجيش العماد جان قهوجي، في اتصال هاتفي أجراه معه، «اتخاذ التدابير اللازمة لوقف الأحداث الجارية في طرابلس، وإعادة الهدوء إلى المدينة».
http://www.al-akhbar.com/node/34912
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : شؤون طرابلسية | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






















