بلاغة الكلام
كتبهابلال عبد الهادي ، في 4 شباط 2012 الساعة: 13:31 م
بلاغة الكلام
وأما بلاغة الكلام فهي مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته، ومقتضى الحال مختلف فإن مقامات الكلام متفاوتة، فمقام التنكير يباين مقام التعريف، ومقام الإطلاق يباين مقام التقييد، ومقام التقديم يباين مقام التأخير، ومقام الذكر يباين مقام الحذف، ومقام القصر يباين مقام خلافه، ومقام الفصل يباين مقام الوصل، ومقام الإيجاز يباين مقام الإطناب والمساواة، وكذا خطاب الذكي يباين خطاب الغبي، وكذا لكل كلمة مع صاحبتها مقام إلى غير ذلك كما سيأتي تفصيل الجميع وارتفاع شأن الكلام في الحسن والقبول بمطابقته للاعتبار المناسب وانحطاطه بعدم مطابقته له، فمقتضى الحال هو الاعتبار المناسب وهذا، أعني تطبيق الكلام على مقتضى الحال هو الذي يسميه الشيخ عبد القاهر بالنظم حيث يقول: النظم تآخي معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام.
فالبلاغة صفة راجعة إلى اللفظ باعتبار إفادته المعنى عند التركيب، وكثيراً ما يسمى ذلك فصاحة أيضاً وهو مراد الشيخ عبد القاهر بما يكرره في دلائل الإعجاز من أن الفصاحة صفة راجعة إلى المعنى دون اللفظ، كقوله في أثناء فصل منه: علمت أن الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما أوصاف راجعة إلى المعاني وإلى ما يدل عليه بالألفاظ دون الألفاظ نفسها، وإنما قلنا مراد ذلك لأنه صرح في مواضع من دلائل الإعجاز بأن فضيلة الكلام للفظ لا لمعناه منها أنه حكى قول من ذهب إلى عكس ذلك فقال أنت تراه لا يقدم شعراً حتى يكون قد أودع حكمة أو أدباً أو اشتمل على تشبيه غريب ومعنى نادر، ثم قال والأمر بالضد إذا جئنا إلى الحقائق وما عليه المحصلون لأنا لا نرى متقدماً في علم البلاغة مبرزاً في شأوها إلا وهو تنكر هذا الرأي، ثم نقل عن الجاحظ في ذلك كلاماً منه قوله والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والقروي والبدوي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وصحة الطبع وكثرة الماء وجودة السبك، ثم قالت ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة وأن سبيل المعنى الذي يعبر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير فيه كالفضة والذهب يصاغ منها خاتم أو سوار، فكما أنه محال إذا أردت النظر في صوغ الخاتم وجودة العمل ورداءته أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة أو الذهب الذي وقع فيه ذلك العمل، كذلك محال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام أن تنظر في مجرد معناه، وكما لو فضلنا خاتماً على خاتم بأن تكون فضة هذا أجود، أو فضة ذاك أنفس، لم يكن ذلك تفضيلاً له من حيث هو خاتم، كذلك ينبغي إذا فضلنا بيتاً على بيت من أجل معناه أن لا يكون ذلك تفضيلاً له من حيث هو شعر وكلام هذا لفظه وهو صريح في أن الكلام من حيث هو كلام لا يوصف بالفضيلة باعتبار شرف معناه، ولا شك أن الفصاحة من صفاته الفاضلة فلا تكون راجعة إلى المعنى، وقد صرح فيما سبق بأنها راجعة إلى المعنى دون اللفظ فالجمع بينهما بما قدمناه يحمل كلامه حيث نفى أنها من صفات اللفظ على نفي أنها من صفات المفردات من غير اعتبار للتركيب، وحيث أثبت أنها من صفاته على أنها من صفاته باعتبار إفادته المعنى عند التركيب.
وللبلاغة طرفان: أعلى إليه تنتهي وهو حد الإعجاز وما يقرب منه، واسفل منه تبتدئ وهو ما إذا غير الكلام عنه إلى ما هو دونه التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات، وإن كان صحيح الإعراب وبين الطرفين مراتب كثيرة متفاوتة.
وإذا قد عرفت معنى البلاغة في الكلام وأقسامها ومراتبها فاعلم أنه يتبعها وجوه كثيرة راجعة إلى مطابقة مقتضى الحال ولا إلى الفصاحة تورث الكلام حسناً وقبولاً.
من كتاب الايضاح للقزويني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : بلاغة, لغويات | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج























فبراير 5th, 2012 at 9:31 ص
الموضوع جاااااامد جدااااااا لك مني اجمل تحيه