
رسم ل دجو كه ليانغ
ثمّة رواية تاريخية صينيّة بعنوان "الممالك الثلاث"三国演义، كتبها " لْيُوْ كْوَاْنْ تْشُوْنْغْ罗贯中" في القرن الرابع عشر، وهي من الروائع الأدبية التي أنتجتها الإمبراطوريّة الصفراء. يقارنها البعض بالإلياذة اليونانيّة أو بالمهابهاراتا الهندية. وهي مترجمة إلى أكثر اللغات الغربيّة، ولكنّها لم تعرف بعد، للأسف، طريقها إلى لغة الضَّاد.
"الممالك الثلاث" رواية لا تنتمي إلى الأدب الشعبيّ ولا إلى الأدب الرسميّ، فهي تقيم على تخوم الأدبين، وثمّة تصنيف طريف، فيما يبدو، في الصين للأنواع الأدبيّة، وهو أنّ الرسميّ والشعبيّ على تماسّ حميم، بل إنّ كثيراً من القصائد الشعبيّة، تبوّأت على يد "كونفوشيوس" مقاماً عليّاً في كتاب "الأغاني".
الممتع في "الممالك الثلاث" أنها أشبه بتطبيق عمليّ وحَذِق لنظريّة الاستراتيجيّ القدير "صْوِنْ تْسُوْ" التي سردها في كتابه الفاتن "فنّ الحرب". والرواية ليست خرافيّة، أبطالها أناس عاشوا وكافحوا وحاربوا، وهي مليئة بصنوف الخدع الحربيّة، التي تحوّلت قوانينَ استراتيجيّةً، لا تزال صالحة، في غالبيتها، للحياة اليوميّة والتجاريّة وليس فقط الحربيّة، كما إنّ الرواية تمثّل بامتياز الروح الصينية في التعامل مع صنوف الأخطار.
بطل الرواية "دجوْ كُه لْيَاْنْغْ"( 诸葛亮 ومعناه نور العقل)من مواليد القرن الثاني للميلاد) وهو سيّد التكتيك الحربيّ، واستراتيجيّ ماكر من طراز نادر. وثمّة حكاية في "الممالك الثلاث" تروي كيف أنّ "لْيَاْنْغْ" انتصر في لحظة كان من المستحيل الانتصار فيها. المعركة، ظاهريّاً، محسومة سلفاً، الخسارة واقعة لا محالة، ومع هذا يرى أن الانتصار ممكن، بفضل ما أوتيه من دهاء، والوسيلة هي زرع الشكّ في قلب الخصم، بلبلة ذهنه، زعزعة يقينيّاته، عدم تصديقه ما يرى! اظهر حقيقتك من غير أن تعلن أنّها حقيقتك. إنّ الخدعة أيّ خدعة تقوم على تمييع الحدود بين الظاهر والباطن، ومحو الفواصل بين الخفيّ والجليّ. إذا كنت ضعيفاً أظهر أنّك ضعيف فيظنّ البعض أنّ ضعفكَ خدعةٌ، أو فخّ، فيتعامل معك على أساسِ أنّك تبطن قوّة(رغم عدم وجودها). هذا جزء من فحوى فصل من رواية "الممالك الثلاث". وهي مليئة بالفصول الاستراتيجيّة المضمرة في تضاعيف سرد مشوّق وجذّاب.
المهارة تكمن في توصيل رسالة إلى عدوّك، مفادها أنّ الظاهر ليس بالضرورة هو الباطن، والأمر ليس سهلاً وليس ممتنعاً في آن. ونحن، إلى اليوم، لا نزال نسقط في فخّ المظهر الخلّب رغم أنّ باطنه، أحي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ